التربية على طريقة دمى الماريونيت!!

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
10 - محرم - 1441 هـ| 10 - سبتمبر - 2019


1

لقد تربعت دمى الماريونيت لفترة زمنية على عرش الترفيه، واحتلت مكانة في قلوب الأطفال من خلال ما يُقدم من خلالها من قصص ممتعة ومفيدة استهوت قلوبهم؛ لكونها ليست كالقصص الأخرى تُروى سماعياً فقط بل تُشاهد في عروض مسرحية مما يجعلها أكثر جذباً وحضوراً في الذاكرة لتُنقش بعض القيم التربوية وكذلك الترفيهية من خلالها.

لكن مع اختلاف الحضارات والأجيال بدأنا نشاهد دمى الماريونيت اليوم بشكل مختلف فهي لم تدخل النطاق التربوي كالسابق بل دخلته بصورة أخرى مختلفة فأصبحت الدمى تُدار لا بالخيوط الخفية بل بالدكتاتورية التربوية من خلال الوالدين. ولم تعد كالسابق على مسرح العرائس بل على مسرح الحياة بأكملها..وهنا لابد لنا أن نقف لحظة؛ لنتساءل هل تحول الأبناء أنفسهم لدمى ماريونيت؟!

مع الأسف كثيراً ما يُستخدم الأبناء في نطاق الأسرة كدمى تشبه إلى حد كبير الماريونيت وذلك عندما يعتمد الوالدان المنهج التربوي وفق عقلية المربي الدكتاتور في فرض سيطرتهم على الأبناء للحصول على الطاعة المطلقة؛ فتُدار شخصياتهم من خلف الكواليس من خلال خيوط والدية تُعلن تبعيتهم وسلب شخصياتهم لكنها تحتفظ بصورة براقة لهم أمام الناس لطاعتهم ولإظهارها أدوارا رائعة يحتلون من خلالها أدوار البطولة في أدائها لكنها في الحقيقة أدواراً مُبرمجة يتم إدارتهامع التحكم بسلوكياتهم من وراء حجاب دون نقاش ولا حوار. فأي إخفاق في أداء المطلوب يعتبر خطأً يحتاج للتعنيف؛ لعلمهم بمصلحة أولادهم بدرجة عالية لا تحتمل الخطأ على حد اعتقادهم.

ودافع الوالدين لذلك عادة حماية أبنائهم لا إيذاءهم. فحرص الوالدين على أن يقدموا لأبنائهم كل ما يستعطون من حماية ليكونوا مثاليين في سلوكياتهم وألا يقعوا في أخطاء وقع فيها الوالدين من قبل. كما أن رغبتهم بأن يكونوا بأفضل مظهر أمام الناس وأن تخلو سلوكياتهم من أي أخطاء يدفعهم للسيطرة على أبنائهم. متجاهلين بأن الأبناء يتعلمون من أخطائهم أكثر من تعلمهم من تجارب والديهم فالمحاولة والخطأ وخوض التجارب الحياتية المختلفة هو من أكثر السبل التييستطيعون من خلالها اكتساب خبرات شخصية تحصنهم ضد عقبات قد يجدونها في مستقبلهم. وتمنحهم مفاتيح لحل بعض المشكلات التي قد يتعرضون لها في حياتهم. وهذا لا يعني أن تقديم الوالدين لخبراتهم الحياتية ونصائحهم ليس له أهمية بل هو على قدر كبير من الأهمية لكنه لابد أن يكون جنباً إلى جنب ترك مساحة حرة لهم ليكتشفوا بأنفسهم إدارة الكثير من المواضيع الحياتية.. خاصة حين تكون أموراً لا يضر خوض التجربة بها.. وبعدها يتم استخلاص النتائج والفوائد من التجارب والأحداث الحياتية مدعمة بالنصح والخبرة الوالدية بطريقة الحوار معهم لا فرض الأمر والتأنيب على الإخفاق. بلبإعطاء خيارات وبدائل تزيد من سعة إدراكهم ليختاروا بأنفسهم مع السماح لهم بإبداءالرأي والنقد لأي تجربة أو أسلوب.

إن أخطر ما في هذا الأسلوب التربوي أنه ينشئ جيلاً فاقداً للأمان وحده ولا يثق بنفسه وقدراته كما يجب وبالتالي يكون تابعاً بعيداً عن المبادرة والمسؤولية يخشى أن يتعرض لأي جديد دون حماية؛ مما يجعلهم بحاجة لأن يكونوا أتباعا في كل مكان يبتعد عنهم والداهم فيه. فيبحثون في المدرسة مثلاً عن الشخصيات القوية والمسيطرة التي تشبه والديهم ليكونوا في ظلها؛ ليشعروا بالأمان كما تعودوا أن يكونوا في ظل والديهم. فضلاً على أن هذا الأسلوب من التربية يمكن الخوف في أنفسهم وبالتالي لا يتعلمون الحوار ليطرحوا على الوالدين احتياجاتهم ومشكلاتهم. بل يظهرون الطاعة - وكأنهم يجدون ضالتهم فيما يقوله الوالدين في العلن- لكن في الخفاء يحاولون تلبية بعض احتياجاته التي لا يسمح بها نطاقهم التربوي الصارم وعندها قد يلبون احتياجاتهم بطرق قد تكون غير مناسبة تربوياً مما يوقهم في مشكلات أكبر فتزيد من آلامهم النفسية. كما أن هذا المنهج التربوي يُفسد العلاقة بين الأولاد والوالدين فحدود العلاقة بينهم أمر فاستجابة دون إدراك لاحتياجاتهم. مما يجعلهم يفتقرون للإبداع والمبادرة فهم قليلوا المرونة لأنهم أجبروا على تربية ضمن قالب الطاعة فقط. وقد يظهر العنف في سلوكياتهم فهم أكثر عدوانا من غيرهم كرغبة في تنفيس الضغوط التي تعرضوا لها من القواعد الصارمة التي تجبرهم على الطاعة دون نقاش أو تفهم وكثيراً ما يمارسون نفس دور الوالدين في نطاق عائلتهم في المستقبل.

إن تفهم الوالدين لاحتياجات الأولاد في كل مرحلة عمرية مع الحوار الدائم معهم والأخذ بآرائهم وتقبل مشاركتهم في نطاق الأسرة مع مساعدتهم في رسم حياتهم المستقبلية لا رسمها بدلاً عنهم مع ترك مساحة كافية لهم بالتجريب والمحاولة خاصة في الأمور الحياتية العادية وحل المشكلات التي لا يؤدي الإخفاق في حلها لمشكلة أكبر أو يترتب عليها أمور مصيرية أمر بالغ الأهمية، وكذلك تعويدهم التحرك ضمن نطاق الحرية كأن تسبق محاولاتهم ومبادراتهم في الحلول سؤال الوالدين عما يجب عمله؛ لتكون الخبرة الوالدية دليلاً مرشداً ومنهجاً يصحح المسار لا فرضاً يطمس شخصياتهم ويجعلهم نسخ مصغرة من والديهم رغماً عنهم. فكل ذلك أساليب مهمة قد يغفل عنها الوالدين ضمن إطار التربية السُلطوية.

والأصل أن يتفهم الوالدين أن بعض حبهم لأبنائهم قد يُدار بطريقة تكون مؤذية لهم فهم بحاجة دائماً ليثبتوا وجودهم بمحاولاتهم وآرائهم وبأنهم شخصيات مستقلة عمن حولهم. وعندها تصبح المحبة التي تفرض الدكتاتورية الممزوجة بالحماية الزائدة قاتلة لشخصياتهم بالدرجة الأولى. فبدلاً من تقديم الحياة المثالية لهم فإنها تؤذيهم على مدى حياتهم وتترك بصمة الضعف على شخصياتهم؛ ليصبحوا مجرد دمى تنفيذية تُدار بخيوط خفية، تظهر لمن حولها مبتسمة من الخارج رغم أنها ميتة من الداخل.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...