القصة القصيرة جداً عند منتصر الغضنفري

أدب وفن » آراء وقراءات
08 - محرم - 1439 هـ| 29 - سبتمبر - 2017


1

هذا فن من القصص، يستعيض فيه المبدع عن العقدة بالمفارقة، وعن اللحظة المشحونة باللمسة الساخرة، وعن الفضاء الذي يستوعب التجربة بالحكمة الموجزة، التي تبعث شفرة أو إشارة ما، بأكبر قدر من التركيز والاختزال، ولكنها تعرف كيف تحمل الكثير وتقول الكثير.

 

لا أدري لم تذكرت "جنة الشوك" لطه حسين، وأنا اقرأ هذا الذي بين يدي؟ لعلها الملامح الفنية نفسها التي تعرض"الموضوع" وفق الخصائص التي أشرت إليها قبل لحظات.

 

إلا أن طه حسين لم يسمّه قصصاً، ولكنه اعتبره "لوناً من ألوان القول لم يطرقه أدباؤنا المعاصرون (والحديث عن النصف الأول من القرن العشرين) لأنهم لم يلتفتوا إليه، أو لأنهم لم يحفلوا به، مع أنه من أشد فنون القول ملائمة لهذا العصر الذي نعيش فيه".

ومن عجب أن طه حسين، وهو يسرد ضرورات هذا اللون، يشير إلى أن من بين هذه الضرورات: أننا "نعيش في عصر السرعة، حيث يقصر الوقت مهما يكن طويلاً، عما نحتاج إلى أن ننهض به من الأعباء، التي لم تكثر ولم تثقل على الناس في عصر من العصور، كما تكثر وتثقل وتتنوع في هذه الأيام. وهذا كله يحمل على أن نؤثر الإيجاز على الأطناب، ونقصد إلى ما يلائم وقتنا القصير وعملنا الكثير، وهذه اللحظات التي يتاح لنا فيها شيء من الفراغ للاستمتاع بلذات الأدب الخالص والفن الرفيع".

 

وطه حسين يقول هذا عن النصف الأول من القرن العشرين: فما الذي يمكن أن يقال والقرن يوشك على الانصرام، وإيقاع الحياة الدنيا يصبح لهاثاً محموماً، تتقطع معه الأنفاس والأعمار؟

 

يعالج الدكتور منتصر الغضنفري في مجموعته هذه موضوعات شتى، والعنوان نفسه ينطوي على الكثير مما يريد أن يقوله، فإن النفثة التي يزفرها الصدر الذي يحترق بالألم، ويختنق بالدخان، تكاد تلخص حزن العصر كله وعذابه، حيث ترتفع أثمان كل سلعة فيه، ويرخص الإنسان!

 

وهو يعرف كيف يوظف "التراث" وكيف يسحب بعض حلقاته لكي تلامس العصر، وتعين على رفع الخطاب اللاذع الساخر، قبالة كل المفارقات والتعاسات. ويعرف ـ كذلك ـ كيف ينتقي موضوعاته من حياتنا اليومية المترعة بالخبرات، والتي تنتظر الأديب الذي يعرف كيف ينزاح بها عن استعمالاتها العادية؛ لكي تصير فناً يؤثر في العقل والوجدان، ويغني الحياة الأدبية بنمط من القول يعد بالكثير.

 

وليس ثمة كهذا اللون فرصة مواتية لتأكيد الرؤية الإيمانية، في عالم ازدحمت فيه الطاغوتيات، واستلب الإنسان الذي أريد له بقوة البعد التحريري للشهادة المركزية لهذا الدين: لا إله إلا الله، أن يسترد ذاته وكرامته.

 

إنه لتحدٍّ ينتظر فنّ "الغضنفري" الذي دلّت معطياته الأولى في هذا اللون على قدرة واعدة. وهي تومئ بالمزيد: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (سورة إبراهيم 24 ـ 25).

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- عبيده عصام - العراق

11 - ذو القعدة - 1440 هـ| 14 - يوليو - 2019




ابداع بلا حدود

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...